تذكرة


تذكرة

تطوير الذات يبدأ بمعرفتها .... فتعرف علي نفسك في جوانبها.

?????? ?? ???????

الجديد في المدونة

الإبتلاء- قصيدة رثاء - قصة واقعية - قصة نجاح غرويون - من وحي الساحة السياسية - الإسلام هو الحل - مهلاً أيها الشامتون - إعدام الدعاة في بنجلاديش إلي متى؟
طريق لعلاج تساقط الشعر


1.عصير البصل: تدلك فروة الرأس بعصير البصل فانه سريع في ظهور الشعر ويمنع التساقط .
2. زيت الخروع: يؤخذ زيت الخروع ويمزج في قارورة نصفها خل ويدهن فروة الرأس بهذا المزيج يوميا
3. الجزر: أكله يقوي الشعر وشرب عصيره كذلك.
4. الخل: يغمس المشط بخليط من الخل وضعفه من الماء ويمشط فيه الشعر لمدة أسبوع لتقوية أصول الشعر.
5. الخيار: يؤكل الخيار للمحافظة على جمال الشعر لوجود الكبريت فيه .

6. زيت الزيتون: يدهن الرأس به ليلا ويغطى ويغسل صباحا ويكرر ذلك لمدة(10 أيام) وذلك لتقوية الشعر وإنباته.

7. اللبن: يساعد في نمو الشعر ويبطىء في ظهور الشيب وذلك ياكل اللبن الرائب مع (3) ملاعق خميرة يوميا .

8. الليمون: يدلك الشعر بالليمون فيوقف تساقط الشعر بسرعة .
9. ماء الملح : يدلك الرأس بماء الملح لحفظ الشعر وتنشيط نموه .

10.عصير الثوم : خذي فصين من الثوم واعصريهما واستعملي العصير الناتج في دهان فروة الراس كل مساء بصفة يوميه
هكذا يختلف الكبار !!!
بقلم / محمد عبده- باحث شرعي


الاختلاف في المجتمعات أمر حتمي الحدوث خاصة إذا علمنا أن هذه المجتمعات مجتمعات بشرية لا ملائكية ، مجتمعات إنسانية تُصيب وتُخطئ تسعى إلى الحق وقد لا تدركه كله وتهرب من الباطل وقد تقع في بعضه.


وأفراد هذه المجتمعات قد يكونون مأجورين في كل الأحوال متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد ، ولقد قرأت حديثاً تأثرت به أيما تأثير ، وتعلمت منه كثيراً فأردت أن أنقل لإخواني ما فيه من فائدة وما به من خير ، أسأل الله أن يجمع به القلوب ، ويلم به الشمل ، وتتوحد به الكلمة ، وأن يطرد الشيطان ويدحره فلا يكون له مكان في قلوب المتآخين حتى وإن اختلفوا.


يَقُولُ أَبَو الدَّرْدَاءِ : كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا ، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ "


قَالَ : وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ .


فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ غَامَرَ سَبَقَ بِالْخَيْرِ.


هذا الحديث تتجلى فيه طبيعة من طبائع البشر مهما علت مكانتهم ، ومهما عظم قدرهم ، ومهما كان سبقهم إلى الإسلام ، وأياً كانت مكانتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من رب العالمين.


هذا الاختلاف بين مَن ؟ إنه بين أبي بكر الملقب بالصديق، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وصاحب الإيمان الذي إن وضع في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفة إيمانه ، وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته.


وبين عمر بن الخطاب الملقب بالفاروق ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، والذي إن سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غيره، كان إسلامه استجابة لدعوة النبي صبى الله عليه وسلم " اللهم أعز الإسلام بعمر "1 فكانت العزة بإسلامه ، يقول أحد من عايشوه : ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض كان أجدُّ وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب ، وهو كذلك المستخلف من أبي بكر الصديق قبل وفاته.


نؤكد ونقول أنه رغم كل هذه المناقب ، والسيرة الذاتية العظيمة إلا أنهما قد اختلفا يوماً ، اختلفا لهذه الدرجة التي يوصد الفاروق الباب في وجه الصديق ، ويرفض المسامحة والمصالحة.


ما يُستفاد من الحديث


(1)


أن الاختلاف أمر طبيعي بين البشر مهما كانت درجة إيمانهم ، لأنهم لن يستطيعوا الخروج عن طبيعتهم البشرية التي خلقهم الله عليها، والذين يرفضون ذلك من شخصيات بعينها يعرفونها ويُقدرونها إنما ذلك يرجع إلى أنهم أنزلوهم منزلة غير منزلتهم البشرية ، وقدّسوهم ووضعوهم في أماكن خاصة في نفوسهم.


وكذلك فإن الاختلاف بين أهل الحق سائغ ومقبول ما دام في حدود الشريعة وضوابطها فلا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً ومصدراً من مصادر الإثراء الفكري ووسيلة للوصول إلى القرار الصائب ، وما مبدأ الشورى الذي أقره الإسلام وشدد على تطبيقه إلا تشريعاً لهذا الاختلاف .


(2)


إن أي تجمع إنساني لا غنى له عن التسامح والعفو ، إذ أن الاحتكاك المتبادل قائم بين أفراد هذا التجمع ، والمعاملات مشتركة بينهم في شتى المجالات ، وبدهي أن هذا الاحتكاك لن يخلو يوماً من المشادات كتلك التي وقعت بين الصديق والفاروق.


هذه المشادات منها البسيط ومنها المعقد ، وخُلقا التسامح والعفو هما الخلقان الكفيلان برأب الصدع حال حدوث أيّ اختلاف.


والبعض وللأسف الشديد يتخيل أن التسامح والتنازل عن الحق والعفو عن زلات الآخرين في حقه عجزاً وضعفاً ، والكبار فقط هم الذين لا تعنيهم هذه التفسيرات التي تُسيطر عليها الأهواء وتُمليها الشياطين ، ويستجيب لها أصحاب النفوس الصغيرة ، أما الذين يُحلقون عالياً ، وسمت نفوسهم ، وتعالت أخلاقهم فهم يتسامحون مع الناس ، ويتساهلون معهم ليس عن ضعف أو عجز بل عن طمع في أجر وثواب المتسامحين يقول أبو هريرة "يأتي عليكم زمان يخير فيه الرجل بين العجز والفجور فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور"2


وفي هذا الحديث راجع الفاروق نفسه فوجد أنه أخطأ في رفضه للعفو عن أخيه ومسامحته ، ولعله أيضاً تذكر مكانة الصديق وفضله وسبقه فلم يطل الموقف طويلاً حتى أسرع لإدراك صاحبه ومصالحته وقبول عذره فذهب إلى البيت فلم يجده.


(2)


المراجعة وعدم الاعتداد بالرأي أو التمسك به ، فأبو بكر راجع نفسه ولم يعتد بموقفه ، ولم يُصر على خطئه ، وحاول أن يُصلح ما وقع فيه بالاعتذار وطلب العفو من الفاروق


وكذلك فعل الفاروق ، فعندما أغلق على نفسه بابه وراجعها وجد أنه أخطأ في رفض العفو عن صاحبه ، ووجد أن إغلاقه الباب في وجهه أمر لا يليق بالصديق ، فأسرع صوب بيت أبي بكر يُصالحه ويسترضيه ولكنه لم يجده.


والاعتداد بالرأي والتمسك به من أكبر الآفات التي تهدم العلاقات وتوتر الأجواء ، وتوغر الصدور.


ولا يعني هذا أن يتنازل الأخ عن حقه في إبداء رأيه والدفاع عنه ، ولكن الخطأ الحقيقي أن يتخذ الواحد منا لنفسه قناعات لا يحيد عنها ، أو قرارات لا تقبل المراجعة والتصحيح ، وحينئذ لن يسلم في قراراته من هوى مطغِ أو خطأ مهلك.


فالمشكلة الحقيقية ليست في التمسك بالرأي أو الدفاع عنه، بل الخطأ في الأهواء والمقاصد التي قد تُصاحب النقاش والحوار .


الخطأ الحقيقي هو أن أعتبر رأيي هو الصواب المطلق ، ورأي غيري هو الخطأ المطلق.


الخطأ الحقيقي هو أن يُصاحب إبداء الآراء ووجهات النظر انتفاخ العروق ، وحمرة الوجوه وارتفاع الأصوات.


الخطأ الحقيقي أن تكون عودتي للحق والصواب مشروطة إما الأخذ برأيي أو لا.


الخطأ الحقيقي أن يتحول دفاعي عن رأيي إلى جدال ومراء لا طائل من ورائه إلا اختلاف العقول، وتنافر النفوس ، وتبادل العداوة والكراهية.


الخطأ الحقيقي أن يكون دفاعي عن رأيي ليس للوصول للحقيقة ، بل لإحراج الطرف الآخر والنيل منه.


(3)


التواضع الجمّ الذي ظهر عليه الأخوان الحبيبان أبو بكر وعمر ، فمكانة أبو بكر لم تمنعه من تقديم الاعتذار عندما شعر أنه كان الأظلم في تلك المشادة التي حدثت بينه وبين أخيه ، بل ألحَّ عليه في طلب العفو والمسامحة ، حتى أنه لم يكتفِ برفض عمر فأتبعه إلى بيته فكان من عمر ما كان من إغلاق الباب في وجهه.


وعمر عندما شعر بقسوته مع أخيه وراجع نفسه حمله تواضعه على المسارعة إلى بيت أبي بكر لتسوية الخلاف ، والتغافر فيما بينهما.


والحقيقة أن الإيمان الحي في القلوب كان وراء هذا التواضع وهذه الرغبة المتبادلة في المصالحة ، فالدنيا لم تكن تشغل بالهم بقدر ما كانت الآخرة حاضرة أمام ناظريهم في كل لحظة ، وفي كل وقت ، فواضح من سياق الحديث أن أبا بكر يريد التحلل مما وقع فيه من ظلم في حق صاحبه ، وحرص على ذلك بكل الطرق "فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ" وواضح أيضاً من سياق الحديث أن أبا بكر ذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا لشكوى عمر بل للهمّ الذي يسيطر عليه من رفض عمر للعفو عنه.


ونحن اليوم في أحيانٍ كثيرة نسعى ونبذل ونضغط ، وأحياناً نرجو ونقبل الأيادي أن يرضى المخطئ بالاعتراف بخطئه والاعتذار عنه ورغم ذلك لا يحدث.


(4)


ميثاق الأخوة أقوى رغم الاختلاف الذي قد يحدث بين الحين والآخر ، فالحب المتأصل في قلب المتآخين لم يتغير ولم يختلف نتيجة وجهات النظر المتباينة أو الاختلاف الحادث بينهما ، ظهرت معالم هذا الحب وتمكنه في القلب حينما تمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عمر غضباً لأبي بكر ؟


فأشفق أبو بكر على رفيق دربه ، وصديق عمره ، وحبيب قلبه ، خاف أن يلحق به غضبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتحرك بعاطفته المملوءة بالحب لأخيه " فجثا على ركبتيه فقال :يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم مرتين " فلم يفرح بتعاطف الرسول معه ، ولم يستطل بوقفة الأمير والقاضي معه ، إنه لا يريد التشفي أو الانتقام ، إنه لا يريد إلا العفو والمسامحة.


وهي حقيقة لابد أن تستقر في قلوب ونفوس ووجدان الإخوان المختلفين مهما كان الاختلاف ، ومهما كانت ظروفه وملابساته ، لأن الاختلاف إلى زوال والأخوة هي الباقية.


(5)


" ولا تنسوا الفضل بينكم " وهي قاعدة لابد من الأخذ بها ووضعها في الاعتبار ، فليس مقبولاً بحال أن تنسينا أخطاء الآخرين فضلهم ومكانتهم وسبقهم وحسن عشرتهم ، وليس من المعقول أن نلج في الخصومة حتى تصل لدرجة العداوة ، بل لابد من التعقل ، وأي خلاف مهما كان عظيماً فإن الحل مرجو ، خاصة إذا كان الاختلاف ليس في أمر قطعي الحرمة ، فلا إنكار في مختلف فيه ، فكلانا في هذه الحالة يحمل جزءاً من الحق وقد نلتقي ونتكامل متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد وستبقى المواقف والأحداث في نفوس كلٍ منا قد نستطيع تجاوزها ، وقد يبقى وغزها في الصدور.


(6)


قبول الأعذار من المخطئين أمر له أهميته ، وضرورة ينبغي أن نعمقها بيننا ، فهي من ناحية تشجيع لمن أخطأ أن يعترف بخطئه ويسعى لإصلاحه ولا يخشى الآخرين ، ومن ناحية أخرى فإن عدم قبول الأعذار فيه ظلم للمخطئ ، وماذا عساه أن يفعل وقد كان قدر الله سابقاً معه ، وهو بشر يُصيب ويُخطئ "كلا بن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"3


ولقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الفاروق رفضه لاعتذار أخيه والعفو عنه وقال ترضية لأبي بكر " يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً "


ولم يُحقق فيما وقع من أبي بكر ، وكأن الاعتذار والاعتراف بالخطأ بَجُبُّ الخطأ ويمحوه.


(7)


الوحدة أولى من التفرق على أي لوائح أو قوانين تنظم العمل ، فاللوائح والقوانين وضعها البشر وهي بالتأكيد تحتاج إلى تعديل وتطوير ، والحركة الإسلامية وهي تؤدي دورها الدعوي لخدمة الإسلام هي بحاجة إلى وضع تلك اللوائح والقوانين التي تكفل انتظام العمل وإنجاحه ، هذه اللوائح والقوانين لا يمكن أن تكون سبباً في الفرقة والتنازع ، واختلاف القلوب والنفوس ، فالملاحظ أن الاختلاف لم يكن أبداً حول أصل من أصول الدين المتفق عليها ، بل كلها أراء واجتهادات ووجهات نظر حول طريقة وأسلوب العمل ، وغاية ما يُقال في كلا الأمرين أن أحدهما راجح والآخر مرجوح.


وهذا لا يستوجب أبداً شق الصف من أجله ، أو الخروج من الجماعة أو على الجماعة لعدم أخذها برأيي ، فالاعتصام بالجماعة والائتلاف فيما بينها من أصول الدين.


يقول بن تيمية : "الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين ، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية ، فكيف يُقدح في الأصل بحفظ الفرع " الفتاوى


(8)


يجب أن نكون في اختلافنا أكثر رقياً وقبولاً للرأي الآخر، دون تجريح أو تشكيك ، بل في أدب وعفة فأصل الاختلاف منشأه الوصول إلى الهدف والرأي السديد.


فكم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه ويستمع إلى آرائهم، وكانت وجهات النظر بينهم مختلفة ومتباينة في كثير من الأمور، غير أنهم لم يفترقوا، ولم يخرجوا من الصف.


فقد كان الاختلاف حول المضي في غزوة بدر ، وكان الاختلاف في الموقف من أسرى بدر ، وما ليم أحد على رأي أبداه أو موقف تبناه ، وما تعصب منهم لأحد ولا تحزب ، أو حاول كسب الأنصار وتعاطف المحيطين به ، بل كان الحق غايتهم والمصلحة العامة هدفهم.


وقد يُقر النبي صلى الله عليه وسلم كلاً من المختلفين على رأيه الخاص دون أن يُبدي أي اعتراض أو ترجيح كما في مسألة أمره صلى الله عليه وسلم للصحابة بصلاة العصر في بني قريظة ، فقد صلاها بعضهم في المدينة وبعضهم لم يُصلها إلا بعد صلاة العشاء.


وبعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك اختلافات ... حسمت أحياناً كثيرة بالاتفاق كما في اختلافهم حول الخليفة بعده صلى الله عليه وسلم وحول قتال مانعي الزكاة ، وحول جمع القرآن الكريم.


وتارة يبقى الطرفان على موقفهما وهما في غاية الاحترام والتقدير لبعضهما ، كما في قصة عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلاة والسلام للباري جل وعلا ، وكما في مسألة إرضاع الكبير بين بن مسعود والأشعري ، وأبو هريرة وابن عباس في الوضوء مما مسته النار ، واختلاف عمر مع أبي عبيدة في دخول الأرض التي بها وباء.


(9)


وهناك مواقف من الرواد في مجال الاختلاف ، عكست نضج الفكر ، وإخلاص القلب ، فهذه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول عن أحد الصحابة وقد اختلفت معه في مسألة :"أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ "


ويقول الشافعي رضي الله عنه " ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة "


ويقول أيضاً :" ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم اجر الحق على قلبه ولسانه ، فإن كان الحق معي اتبعني ، وإذا كان الحق معه اتبعته "


وأنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متماً ، وقال الخلاف شر "


وحينما أراد الخليفة العباسي حمل الناس على الموطأ وهو كتاب مالك وخلاصة اختياره في الحديث والفقه قال له مالك " لا تفعل يا أمير المؤمنين " مراعاة لاجتهادات علماء وأئمة الأقطار الأخرى.


(10)


الشباب والشيوخ ، الحرس القديم والحرس الحديث ، الإصلاحيون والمحافظون ، تقسيمات تظهر ، ومصطلحات تُطلق على فريقين اختلفا حول أمور معينة أو أفكار متباينة أو وجهات نظر مختلفة ، والسبب في ذلك خروج الاختلاف عن دوائره ، فتدخل في إبداء الآراء من لا يعرف حقيقة الاختلاف ، وتعاطف آخرون مع طرف على حساب آخر إما لقناعة برأي وإما تحزباً لفئة دون الأخرى.


هذا التحزب دفع البعض للمغالاة في تحليلاتهم والتي وصل فيها الحد إلى دعوة أحد الفريقين إلى الخروج عن الصف وإيهامه تصريحاً أو تلميحاً أن له أتباعاً وأنصاراً سيقفون خلفه ويُساندونه في أفكاره ومبادئه ، رغم أن فريقيّ الاختلاف أنفسهم ربما لم يفكروا في هذا أبداً ، ولست أدري كيف يُفكر من يطلب هذا الطلب الغريب الذي يُفرق ولا يُجمع ؟؟!


فبدلاً من بذل النصح والسعي للإصلاح بين الفريقين إذا بهم يزيدون من نار الفتنة ، ويشعلون نارها كلما أوشكت على الانطفاء.


يحضرني الآن موقف في السيرة النبوية اختلف فيه فريقان ، ينتمي كل منهما إلى مدرسة ، وإذا أردنا تسمية المدرستين يمكننا وبسهولة ودون تكلف وكما جاء في كتب السيرة أن نقول أنهما جيلان جيل الشباب وجيل الشيوخ ، فلقد اختلف شباب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الخروج لمقاتلة قريش خارج المدينة في غزوة أحد (كان هذا رأي الشباب ) وبين مقاتلتهم داخل المدينة (وكان هذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كبار الصحابة)


إنهم متفقون على الأصل وهو مقاتلة الغزاة ومحاربتهم ، ولكنهم اختلفوا في الأسلوب والطريقة ، تُرى ماذا لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض رأيهم وأصر على مقاتلتهم داخل المدينة ، هل كان ذلك سيكون سبباً وجيهاً لخروج شباب الصحابة عن الصف ورفضهم للجهاد في سبيل الله ، اللهم لا !!!


بل إن أدبهم الجم دفعهم أن يردوا الأمر ثانية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا قد استكرهوا قائدهم ، والأجمل من ذلك أن كبار الصحابة لمّا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم النزول إلى رأي الشباب لم نرَ تذمراً أو تكتلاً باسم " شيوخ الصحابة " هدفه التشهير بالفريق الآخر ، اللهم إلا الفريق المعروف بالنفاق والذي انسحب من المعركة قبل أن تبدأ.


وهل كان من المقبول أن يخرج شيوخ الصحابة وكبارهم ويتركوا جهاد الكفار لأن ذلك لم يكن رأيهم ، اللهم لا !!!!


ورغم أن نتائج المعركة كانت قاسية إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلُم أحداً قط ، ولم يَعزُ الهزيمة إلى الأخذ برأيهم بل نزلت الآيات لتؤكد على الشورى "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" [آل عمران : 159]


(11)


مسألة تقديس الأفراد والأشخاص قد تكون جزءاً من وصول الاختلاف إلى نقطة اللاعودة في كثير من الأحيان ، فالشخص الذي يرتبط بآخر ويتعلق به ، ويرسم له صورة أقرب للملائكية منها للبشرية تجعله يظن أن فلاناً لا يمكن أن يقع في خطأ أبداً ، حتى إذا حدث يوماً ثمة خطأ قامت الدنيا ولم تقعد.


أذكر أن أخوين كريمين حبيبين تربطهما علاقة تشبه في قوتها وشدة متانتها رباط الزوجية الذي لا ينفصم عراه إلا في أشد الظروف و أعقدها ، هذان الأخوان اختلفا يوماً واستوجب ذلك تدخل الوسطاء للمصالحة والتقريب بينهما ، ولأن هذه العلاقة كان من المستحيل أن يشوبها يوماً ما ما يُعكر صفوها (هكذا كان يظن كل من يعرفهما ) فقد سمعت ممن يعرفهما يقول : لقد كفرت بجميع العلاقات بين الناس.


من هنا وجب التأكيد على أن البشر هم البشر مهما كان ورعهم ، ومهما كان إخلاصهم ، ومهما كان تقواهم وقربهم من الله ، الخطأ منهم وارد ، والوقوع في الزلل منهم متوقع ، وهذا لا يُقلل من شأنهم ، ولا ينتقص من قدرهم.


ومن الضرورة بمكان أن ينتبه أهل السبق والفضل أن الصغيرة منهم كبيرة ، والقليل منهم كثير وما يجوز من الآخرين ويُقبل منهم لا يجوز في حقهم ولا يُستساغ قبوله منهم ، هكذا يُنظر إليهم من الآخرين ، فليحذر الجميع أن يكونوا سبباً في فتنتهم.


(12)


ونختم هذا الموضوع بأن نكون في حال الاختلاف على قدر المسئولية ، وأن نحكِّم عقولنا في كل ما نقول ونسمع ، فلا نتناقل أخباراً ونرددها دون توثيقها أو التأكد منها ، فنشيع الفتنة ونزيد من مساحة الاختلاف القائم.


بل لابد من التريث والصبر والدعاء ، وإذا كان لنا من محاولة فهي محاولة لتقريب وجهات النظر ، والسعي لوحدة الصف ، لا للتحيز مع طرف على حساب الآخر.


كما أن على المختلفين أن يسمعوا لبعضهما بهدوء ، وبعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي يعنيه في مقامه الأول السبق الصحفي ، ونشر الأخبار الساخنة التي تُدر عليه ربحاً ، فالإعلام ليس وسيطاً يُرجى من ورائه خير في مجال التقريب بين المختلفين أو الوصول إلى الرشد والصواب,



فوائد من الشدائد
بقلم: د. محمود غزلان


في عام 1996م، حدثت أحداث حزب الوسط، واستغلَّها الإعلام أسوأ استغلال، حاول أن يصنع منها فتنة عمياء لا تبقي ولا تذر، ففتح علينا أبواقه ومدافعه بالأكاذيب والافتراءات والتحريض والإثارة، ففي كل يوم أخبار عن تمرد هنا وانشقاق هناك، وخروج المئات والآلاف على الصف نقمةً منه وانقلابًا عليه؛ حتى ظن الناس أنه لم يبق في الإخوان إلا النفر الذين يتولون القيادة فقط، وبعد فترة وضعت الحملة أوزارها، وانقشع الغبار عن الساحة، وتبيَّن أن الجماعة ثابتة راسخة- بفضل الله- وأن الخارجين عنها لا يزيدون عددًا عن أصابع اليدين، وقتئذٍ كتبت مقالاً بعنوان (فوائد من الشدائد)، متمثلاً قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216).






وقول الشاعر:


قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم


واليوم وبعد ثلاثة عشر عامًا وعلى إثر اختلافات في الآراء والمواقف بين بعض قيادات الجماعة نتعرض لحملة أعتى وأقسى من الحملة السابقة؛ لأن عدد الصحف والفضائيات تضاعف عدة أضعاف، ولأن هناك مجموعة من الصحفيين والإعلاميين تخصصوا في شئوننا، بل إن هناك عديدًا من الباحثين والدارسين تخصصوا أيضًا في دراسة الحركات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، ولكن معظمهم- للأسف الشديد- تخندق في خندق الخصوم ونظر إلينا بمنظار الكره والمخالفة، إن لم تكن العداوة والبغضاء؛ استنادًا إلى خلفيتهم العلمانية، ومن ثمّ جاءت أخبارهم عنا وتحليلاتهم لمواقفنا مصطبغة بمواقفهم الفكرية مفتقدة الحيدة العلمية متعمدة لتشويهنا.






والمراقب للصحافة والإعلام طوال الشهور القليلة الماضية يجد أخبارنا الصحيحة منها والمختلقة تحتل عناوينها، وتملأ أنهارها في تضخيم واسع للخلافات، وتحريض سافر على الشقاق وتصوير مشوه للواقع، الأمور التي أثارت القلق في الصف، والتساؤل لدى العامة، والألم النفسي لدى المحبين، ورغم ما سببه ذلك من عناء وشدة إلا أن الأمر لا يخلو من فوائد، ومن هنا كان هذا المقال بنفس العنوان (فوائد من الشدائد)، محاولة لتصحيح مفاهيم وترسيخ مبادئ وضبط قيم وتقويم سلوك وأخلاق، الأمور التي من شأنها أن تربط على القلوب وتثبت الأقدام وتحدد المواقف عند الشدائد والمحن.






لقد ربى الله تعالى المؤمنين في أتون الشدائد، فبعد غزوة أحد أنزل- سبحانه- أكثر من ستين آية يعلم المسلمين ويفهمهم ويربيهم ويقومهم ويربطهم بذاته وبدينه ويجردهم من التعلق ببشر ولو كان رسوله الأكرم صلوات الله وسلامه عليه.






وفي حادثة الإفك أنزل إليهم ما يطهر مشاعرهم وألسنتهم، وينظم مجتمعهم، وينظف بيئتهم، ويحفظ أعراضهم، وكذلك فعل في غزوة الأحزاب، الدروس التي لا يتسع لها مقام المقال.


ونحن نحاول أن نقتدي بذلك المنهج مع الفارق الكبير والبون الشاسع.






أولاً ما نريد أن يعرفه إخواننا أننا تجمع بشري، ولسنا مجموعة من الملائكة، وطبيعة البشر أن يختلفوا في الرأي والتفكير تبعًا لاعتبارات شتى ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: من الآية 118)، وهذا مظهر من مظاهر الصحة ما دام ملتزمًا بالآتي: ابتغاء وجه الله والإخلاص له في هذا الخلاف، والرغبة في الوصول إلى الحق أو تحقيق المصلحة العامة، والتجرد من حظوظ النفس ورغبتها في الانتصار للرأي والتعصب له، والالتزام بآدب الحوار، والنزول على حكم الشرع فإن لم يوجد فعلى رأي الأغلبية وتبني هذا الرأي والدفاع عنه، واحترام اللوائح والوثائق المنظمة، والحفاظ على مشاعر الأخوة وعدم تغير الصدر من المخالفين في الرأي، وما أحسن قول أمير الشعراء في هذا المقام:


لقد تخالفنا والمعاشِرُ قد يخالفه العشير


في الرأي تضغن العقول وليس تضغن الصدور






وأخيرًا أن يبقى هذا الخلاف في نطاق المؤسسة الحاصل فيها حتى يحسم، أما أن يهرع كل صاحب رأي إلى الصحافة ليعرض رأيه؛ ليعلم الناس أنه صاحب رأي أو أنه مختلف مع إخوانه، أو أنه من تيار معين، أو يحاول الضغط على إخوانه بالإعلام للنزول على رأيه فهذا ليس من المبادئ والشورى والالتزام في شيء، ولو سألنا من يفعل ذلك هل تقبل إن نشب خلاف في بيتك أن يخرج ابنك إلى الشرفة ليذيع على الناس الخبر؟






فلا أعتقد أنه يقبل ذلك، أما التذرع بالشفافية في هذا الموقف فهي كلمة حق يراد بها باطل، لا سيما من أولئك المتربصين والمتصيدين والشانئين، ولقد حسم القرآن الكريم هذه القضية، قضية نشر الأخبار التي تضر ولا تنفع فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً(83)﴾ (النساء)، والخلاصة أننا لا ينبغي أن ننزعج كثيرًا من خلافات الرأي ما دامت لدينا وسيلة حسمها.






وهذه الوسيلة إنما هي الشورى، وهي مبدأ إسلامي أصيل ليس في مجال السياسة ووسائلها فحسب، ولكنها منهج حياة، كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم كان كما يروي لنا أبو هريرة "ما رأيت أحدًا قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكيف لا وقد أمر بها المولى تبارك وتعالى في أعقاب غزوة أحد؛ حيث كان من الممكن أن تُعزى نتائجها الأسيفة إلى الشورى، ولكن الله تعالى أنزل بعدها قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ووصف المؤمنين فقال ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، فالشورى تخرج أحسن ما عند الجماعة من أفكار وآراء وما أحسن قول القائل:


رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ورأي الفرد يشقيها


وقديمًا قالوا: (مشورة العاقل عقل ثانٍ).






فنحن- ولله الحمد- نسعى للالتزام بالشورى، والنزول على رأي الأغلبية في كل أمورنا، ولذلك فنحن نسأل: هل رأيتم جماعة مطاردة محظورة- من قِبل الحكومة- تحرص على الشورى، وتجري انتخابات وتخاطر وتضحي من أجل إقامتها؟ هل رأيتم في بلادنا حكومة أو مؤسسة ترفض تحقيق رغبة رئيسها؟ هل رأيتم انتخابات يخرج فيها بعض الكبار ذوي السبق والتاريخ والجهد والجهاد في سهولة ويسر؟ ولا نزعم أننا بلغنا الغاية أو وصلنا للمأمول في هذا المجال، بل إننا ندعو إخواننا في مجلس الشورى بل وخارج مجلس الشورى أن يقوموا بواجبهم الشرعي في تقديم النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يقفوا موقف المتلقي السلبي بل أن يسهموا في تحديد السياسات، وتقويم المواقف والأعمال والأقوال، وتصحيح الأخطاء دون غضاضة ما دامت بالأسلوب الأخلاقي اللائق، فهم حماة المبادئ وحراس المسار فنحن جميعًا في سفينة واحدة، وعلينا نحن أن نوجد وسيلة وآلية لتفعيل الشورى بحيث تكون دائمة مستمرة للاستفادة من كل الآراء والأفكار.






والوجه الآخر للشورى هو الطاعة فما دام الرأي أقرته أغلبية أعضاء المؤسسة المنوط بها إجراء الشورى فلا بد للجميع أن ينزل عليه ويلتزم به، وهذا أيضًا مبدأ إسلامي أصيل، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني"، ويقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا...).






ويقول الفاروق عمر رضي الله عنه: "لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة"، ولا يمكن لبناء جماعي أن يقوم، ولا لعمل جماعي أن يتم إذا فقد هذا الركن، ولا إذا كانت الطاعة في حال دون حال أو ظرف دون ظرف.






أعلم أن كثيرين يعيبون علينا هذا المبدأ، ويصفونه بالطاعة العمياء، وفي الحقيقة إن الطاعة عندنا إما أن تكون التزامًا بنص قرآني أو نبوي، وهنا تكون طاعة لله ورسوله، وإما أن تكون طاعة لقرار سبقته شورى، ومن ثمّ تكون طاعة مبصرة وليست عمياء، ثم إنه لا يوجد على وجه الأرض تجمع بشري إلا وتحكمه الطاعة بيْد أنها تختلف تسميتها من جماعة لجماعة، فالأحزاب تسميها الالتزام الحزبي، وكلنا نعلم أن من يخرج على قرارات الحزب الذي ينتمي إليه يتم التحقيق معه وعقابه الذي قد يصل إلى حد الفصل من الحزب، وسائر المؤسسات الأخرى تضع لوائح وتسن قرارات منظمة للعمل فيها وعلى جميع العاملين فيها أن يلتزموا بها، ومن يخالفها ينزل به الجزاء، وهذه كلها طاعة لا تختلف عن طاعتنا إلا في الاسم، وفي القصد، فنحن نقصد بذلك وجه الله أولاً ثم المصالح العامة ثانيًا، وهم يقصدون المصالح وحدها.

والدرس الكبير الذي نخرج منه أن الالتزام الصارم بالمبادئ واللوائح والقرارات هي القمينة بالوقاية من أي خلاف أو حسم أي خلاف في حال نشوبه، أما أن يتمسك كل صاحب رأي برأيه ولو خالف اللوائح أو خالف آراء الأغلبية، فذلك هو الهوى المدمر، وكما علمنا القرآن أن الهوى هو شرّ إله يعبد من دون الله ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (الفرقان)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه"، ولقد علَّمنا أئمتنا الأبرار القاعدة الهادية وهي "أن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، بل إن الإمام أبا حنيفة قال له رجل بعد أن سمعه يقول رأيًّا: أهذا هو الحق الذي لا ريب فيه؟ فرد عليه الإمام: والله لا أدري لعله الباطل الذي لا ريب فيه، ومن هنا وجب على كل واحد منا أن يتحلى بخلق التواضع فهو بشر يخطئ ويصيب، وحسبنا أن الله تعالى راجع رسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو، راجعه في مواقف، وصوب له أفعالاً، بل إن بعض الصحابة رضوان الله عليهم راجعوه في مواقف، فتخلى عن رأيه ونزل على آرائهم، وهذه هي شيم الكبار لأن الحق والخير والمصلحة هي مقصدهم ومبتغاهم.

إن الإعلام تلقف هذه الخلافات، وراح ينفخ فيها بغية شق الصف وتمزيق اللحمة، وللأسف الشديد ساعده بعض أفراد كانوا منا في وقت من الأوقات، فزعموا أن الانتخابات كانت مزورة أو شابها تربيط، وهي افتراءات ساقطة، فالذي يعمل لله ويتقيه لا يتطلع إلى منصب ولا جاه، فالمناصب عبء ومسئولية ومخاطرة، وطالب الولاية لا يولى، ودين المرء منا بل رجولته تأبى عليه أن يلجأ لهذا الأسلوب الرخيص؛ كي ينجح في انتخابات أو يتبوأ منزلة على إخوانه ليس أهلاً لها، ويبدو أن هؤلاء الإعلاميين يقيسون الناس على أنفسهم أو على ما يحدث في الانتخابات العامة أو الخاصة في النقابات والمؤسسات فيتوهمون الإخوان مثل بقية الناس، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:


إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهم

أنا لا أحب أن أتكلم عن أشخاص ولكني مضطر إلى ذلك؛ لأن الإعلام يستطيع أن يصور الملاك شيطانًا، والشيطان ملاكًا، ويخلق صورة ذهنية لشخص أو جماعة وينطلق منها ويظل يكررها حتى يصدق نفسه ويصدقه الآخرون، ولقد فعل ذلك في حق الأخ الكريم الدكتور محمود عزت حتى يشوه صورته ثم يتوصل بها إلى تشويه صورة مكتب الإرشاد ثم الجماعة كلها، فوصفه الإعلاميون بأنه صقر، وأنه رجل حديدي، وأنه زعيم تيار المتشددين أو القطبيين، وأنه صانع المرشدين وأنه مرشد الظل.. إلى آخر الصفات التي خلعوها عليه، وهذا أسلوب وضيع للإساءة إلى الآخرين مثلما يصفون الإسلاميين بالرجعيين والظلاميين والجامدين، ويصفون أنفسهم بالتقدميين والتنويريين والمنفتحين، وهذا الأسلوب لا يمت إلى التحليل العلمي أو البحث الموضوعي بصلة، وأشهد الله أنني صاحبت هذا الرجل عقودًا عدةً فلم أجد منه إلا أطيب الخلق وأنبل السجايا والإخلاص لدينه ودعوته- ولا نزكيه على الله- والتواضع الجم والأدب المفرط والصبر الجميل المديد، وأنه لا هو صقر ولا هو حديدي ولا صانع مرشدين ولا زعيم لتيار، أما صفة القطبيين التي رددوها كثيرًا في الآونة الأخيرة- نسبة إلى الأستاذ سيد قطب رحمه الله- فنحن لا ننتسب إلى أشخاص أيًّا كانوا ومهما كان احترامنا لهم، بل إننا نرفض أن يسمى الإسلام الديانة المحمدية مثلما يفعل الغربيون وحسبنا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام سمانا مسلمين ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الحج: من الآية 78)، ولقد اختار الأستاذ البنا عليه رحمة الله لنا هذه التسمية الموضوعية نسبة إلى المبادئ وليس إلى الأشخاص (الإخوان المسلمون)، والسرُّ في تكرار الإعلاميين هذه الصفة أنهم يهدفون إلى رمينا بأننا نكفر الناس، زعمًا بأن هذا ما يقوله الأستاذ سيد قطب- عليه رحمة الله- ونحن نرى أنه لم يكفر الناس، ولقد قرأنا كتبه ودرسناها ولم نقع في مزلقة التكفير، لأن عندنا أصولاً نرجع إليها فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"، والإمام البنا يقول في الأصل العشرين من أصول الفهم: "لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض- برأي أو معصية- إلا إذا أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر".

ولدينا كتاب كامل وضعه المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي- رحمه الله- يحسم هذه القضية وهو كتاب "دعاة لا قضاة"، بل إن الإخوان الكبار، وكانوا وقتها في السجون يعانون، فصلوا من الإخوان كل من قال بتكفير الناس، ولقد تصدينا لفكر التكفير في السبعينيات ونحن شباب، وحمينا- بفضل الله- شبابًا كثيرًا وشابات من أن يقعوا في هذه الهوة، هذا هو موقفنا، أما ما يُقال من أن الأستاذ سيد قطب كان يقول بتكفير الناس استنادًا إلى عبارات وردت في بعض كتبه، فالفيصل في هذا هو سلوكه وتعامله مع عامة الناس، وهناك إجماع ممن عايشوه أنه كان يعامل الناس أحسن معاملة حتى إن المسجونين الجنائيين والسجانين الذين خالطوه في السجن كانوا يكنون له كثيرًا من الحب والاحترام، وظل بعضهم يتردد عليه في بيته في حلوان بعد خروجه من السجن سنة 1964م، ثم إن بعض كبار الإخوان قابلوه في السجن قبل خروجه وسألوه أسئلة مباشرة عن الموضوع، فنفى لهم تمامًا أنه يقول هذه المقولة، فلا معنى للإصرار على هذه التهمة ونسبتها إليه أو نسبتها إلينا فهذا بهتان عظيم.

كثر الحديث عن اللائحة، وأن بها قصورًا، بل وصل الهجوم إلى حد الزعم أنها معيبة، وأنا أقر بأن بها مواد تحتاج لتعديل، وأن يُعاد النظر فيها من قِبل قانونيين وتنظيميين حتى تأتي مناسبة للظروف التي نعيش فيها، وعلينا أن نعمل بهذا، ولكن حتى نفعل ذلك لا بد أن تحترمها؛ لأن مثلها مثل قانون المرور لو ألغيناه فجأة دون بديل خير منه أو على الأقل مثله، فسوف تتحول الشوارع إلى فوضى تتصادم فيها السيارات، وتكثر الحوادث وتتهدد حياة المارة وممتلكات الناس.

إننا لم نقل قط إن اللوائح وثن يُعبد أو نص مقدس، ولكنها قانون محترم حتى يأتي أفضل منه.


ومما يثير الحزن أن نجد بعض الناقمين على اللائحة الآن كانوا راضين عنها يوم أن جاءت بهم لعضوية مواقع تنظيمية في محافظاتهم، فلما لم يوفقوا في الانتخابات التالية لعزوف الإخوان عنهم صبوا جام غضبهم على اللائحة، واتهموها هي والانتخابات بالتزوير، وهذا موقف لا يليق.

لن يرضى عنا العلمانيون حتى نتبع مذهبهم، ولهم في ذلك سياسة واضحة، وهي أن يظلوا يهاجمون مبدأ من مبادئنا ويقبحونه في نظر الناس حتى إذا انهزمنا أمامهم نفسيًّا، وتخلينا عنه وقلنا فيه مقولتهم تحولوا إلى مبدأ آخر، وهكذا حتى نتخلى عن كل مبادئنا، ونصبح مجموعة من العلمانيين تحت لافتة إسلامية مثلما فعل بعض الناس.

ولكن هذا- بإذن الله- لن يكون وسنمتثل لأمر ربنا ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)﴾ (الزخرف)، وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 36)، وسنظل معتصمين بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فهما مرجعيتنا الثابتة والخالدة، وسنظل عاملين لتطبيق شريعة الإسلام وإن عزف السياسيون حتى عن مجرد ذكرها، وليست الجماعة الوطنية كما يزعم العلمانيون هي النخبة التي تربت على أفكار الغرب ومبادئه ولكن الجماعة الوطنية هي الأغلبية العظمى من الشعب الذين يتوقون إلى العيش في ظلال الإسلام بعدله وحريته وحقه ورحمته وتكافله ووقايته للمجتمع من كل المظالم والموبقات.

وإلى إخواننا الذين بعدوا عنا وتركوا العمل معنا سنوات وسنوات، ثم ظهروا فجأة أقول لهم: لا تكونوا مثيري فتنة أو معاول هدم في أيدي آخرين، فإما أن تسعوا بالخير وتنشدوا وحدة الصف وإما أن تصمتوا تنفيذًا لأمر رسول صلى عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت

وواجب علينا نحن أن نضع حدًّا لفوضى التعامل مع الإعلام والقضاء على شهوة الكلام وحب الثرثرة والظهور في الإعلام بما لا طائل تحته أو بما ضرُّه أكبر من نفعه، حتى لا نترك إخواننا فريسة للمغرضين الذين يضخمون المسائل وينفخون في النار، وواجب علينا أيضًا أن نوجد وسيلة سريعة لإعلام إخواننا بالحقائق حتى لا يقعوا في الحيرة والقلق.

هذه هي بعض دروس الشدة الأخيرة، وردت إلى الخاطر على عجل، وإن كان الأمر يحتاج إلى دراسة أوسع وأعمق حتى نتفادى مثل هذه المواقف، وقانا الله الشر والأذى من النفس ومن الناس والشيطان والأعداء ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: من الآية 88)، ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (قّ).
الولاء بين الدين وبين المواطنة



قال تعالى } إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا...{ وقال سبحانه وتعالى }النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًاﭼ


}وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ { وقال جل وعلا } الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا { وقال} لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﭼ


} وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ { وقال تعالى }فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ { } وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا {


وقال عليه الصلاة والسلام : إن بنى فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المؤمنون". "من كنت مولاه فعلي مولاه". وقال علية الصلاة والسلام :" الولاء لمن أعتق". وقال:"الولاء لحمة كلحمة النسب". "وأيما امرأة نكحت بغير أذن وليها". وجاء في حديث المسند " البلاد بلاد والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيراً فأقم". وفي حديث ابن حبان: يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء وأسكن من أرض قومك حيث شئت".


والولاء يفتح ويكسر فإذا فتح كان اسم مصدر وإذا كسر كان مصدراً مقيساً من والاه موالاة وولاء وأصله من فعل ولي إذا قرب ودنا ومصدره وَلْيُ كما في قول علقمة:


يُكلِفُني لَيلى وَقَد شَطَّ وَلْيُها وَعادَت عَوادٍ بَينَنا وَخُطوبُ


واسم الفاعل منه الوليُّ وله معان كثيرة منها المحب والصديق والنصير وفي معناه المولى ويطلق على واحد وعشرين معنى منها الرب جل وعلا والمالك والمُعتق والقريب والجار والحليف والعم والشريك والنزيل والناصر والمُنعم والمنعم عليه والمحب والتابع ...إلى آخره.


وهي معان منتشرة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ويقول مرتضى الزبيدي في تاج العروس : وأكثرها (هذه المعاني) قد جاءت في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه".


ومعنى ذلك أن الأمر يرجع إلى السياق لأنه لفظ مشترك ، وليس حقيقة لا لغوية ولا شرعية ولا عرفية يتعين حمل الكلام عليها، بل إن القرائن والسياقات هي التي ترشح محمله ، وهذا المعروف عند اللغويين، إلا أن بعض طوائف المسلمين الذين جعلوا من قوله عليه الصلاة والسلام :" من كنت مولاه فعلي مولاه" مبدأ عقدياً وقد بالغوا في مفهوم الولاء والولاية حيث استبعدوا الولاية لغير عليِّ رضي الله عنه من الخلفاء كما هو معروف.


وقد تختلف المصادر باختلاف المعنى فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والعتق، والولاية بالكسر في الإمارة، والوِلاء في العتق والولاء ، والموالاة من والى القوم موالاة مصدران مقيسان.


وقال بعضهم : الوَلاء بالفتح للقرابة والولاء بالكسر ميراث يستحقه شخص بسبب عتق شخص في ملكه أو بسبب عقد موالاة كما كان في صدر الإسلام } وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ {


ولهذا فإن المنطلق اللغوي واختلاف المدلول حسب السياق يجعلنا نقرر أن هذا المفهوم ليس جامداً أو حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة وإنما يعنى أحياناً انتماء إلى الدين بنصرته وموالاة أهله وبخاصة في حالة الاعتداء عليه وفي هذا السياق } إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا { أو انتماء للقرابة وفي هذا السياق } وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ { } وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي { أو ولاء برابطة الحلف والعتق } فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ {


وإني لأعجب ممن يناضل عن السنة ويحارب البدعة بدءا من المصطلحات إلى المضامين فهو ينكر المجاز لأنه ما نطق به الأولون فراراً من البدعة والحدث ثم يُحْدِثُ مصطلحاً حذر منه السلف ويتكلف له ويحيطه بسياج من الأفعال والمظاهر بدلاً من إجراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على مجاريها وفهمها في سياقها لتتضامن مع الآيات الأخرى التي تحث على التضامن مع بقية البشرية كلها في أوجه الخير والتعاون معها في مواجهة الشر كما يدل عليه حديث حلف الفضول وحديث فديك :" يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء واسكن من أرض أقومك حيث شئت".


وتدل عليه وثيقة المدينة التي أخرجها ابن إسحاق في سيرته.


حيث تتشكل منظومة من الولاءات تدل عليها مجموعة الآيات والأحاديث النبوية التي تزكي القيم الصالحة أياً كان مصدرها وتذم الرذائل والعدوان والطغيان.


وهذا ما تشهد له أكثر الآيات القرآنية التي توجه البراءة إلى الأعمال لا إلى الرجال قال تعالى } وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ { }ﰈ ﰉ ﰊﰋﰌﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗﭼ يونس41 } وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ { } قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ { } وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ {


وقد وردت البراءة من الأشخاص في سورة الممتحنة في قوله حكاية عن إبراهيم قوله: }إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ {


كما ورد في صدر سورة التوبة براءة من المشركين في سياق إلغاء العهود والإنذار بالحرب بعد أن أسلم أهل الجزيرة العربية ولم يبق إلا عصابات تخريبية.


وفي الحديث: إني أبرأ إليك مما صنع خالد".


ووجه هذا الكلام أن المرء قد يكون فيه ما يبغض وما يحب، فيحب من وجه ويبغض من وجه لهذا كانت البراءة من العمل وليس من الرجل في الغالب. والله اعلم.


وأنكر أحمد بن حنبل إمام أهل السنة رحمه الله تعالى الولاء والبراء قائلاً –كما رواه عنه الأصطخري-: والولاية بدعة والبراءة بدعة وهم الذين يقولون نتولى فلاناً ونتبرأ من فلان وهذا القول بدعة فاحذروه. ( طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين الفراء 1/35)


وفي كتاب السنة لعبدالله بن أحمد رد السلف الصالح هذا الشعار بأشد العبارات لأن البراءة التي وردت في مطلع سورة التوبة موجهة إلى المشركين في سياق محدد يتعلق بالعهد والحرب والسلام وأعلن في تلك السنة في الحج الأكبر إعلاناً لنهاية علاقة كانت قائمة بعد أن أسلم جل أهل الجزيرة العربية.


لكن بعض الطوائف المسلمة جعلته شعارا تتبرأ فيه من فلان وتوالى فيه فلاناً فأنكر من أدركه ذلك من السلف فقال: كان أبو سعيد الخدري يقول: الشهادة بدعة والبراءة بدعة والإرجاء بدعة.


وعن أبي البختري ، قلت لشريك عن علي رضي الله عنه فذكره ، قال : « الإرجاء بدعة ، والشهادة بدعة ، والبراءة بدعة »


وعن سلمة بن كهيل ، قال : اجتمعنا في الجماجم أبو البختري وميسرة وأبو صالح وضحاك المشرقي وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة والولاية بدعة والبراءة بدعة والشهادة بدعة.


وعن سعيد الطائي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : « الولاية بدعة ، والإرجاء بدعة ، والشهادة بدعة» .


قال الأشعري رحمه الله تعالى في "مقالات الإسلاميين" واصفاً غلو بعض المبتدعة في الولاء والبراء: ومن العطوية أصحاب عبد الكريم بن عجرد ويسمون العجاردة وهم خمس عشرة فرقة: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنه يجب أن يدعى الطفل إذا بلغ وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام ويصفه هو.


- والفرقة التاسعة من العجاردة الصلتية أصحاب عثمان بن أبي الصلت والذي تفرد به أنه قال: إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعون إلى الإسلام فيقبلونه.


أما تنزيل آيات النصر والولاية والحب وأحاديث الولاية والنصر والحب على هذا المصطلح وجعله مصطلحاً إقصائياً يطرد كل علاقة مع الغير فهو غير سديد لأنه يهمل مضامين آيات وأحاديث أخرى تحث على البر والأقساط والقسط والتعاون على البر والتقوى مع كل الناس وقد نسب الأنبياء إلى أقوامهم } وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ { }وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا { }وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا { وتحكى حبهم لأقاربهم من غير تعنيت ولا تبكيت } إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ {


وحبهم لبلادهم واشتياقهم لها كما في حديث أصيل: قدم أصيل الهذلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فقال رسول الله r: يا أصيل ، كيف تركت مكة ؟ قال : يا رسول الله ، تركتها وقد احجن ثمامها واغدف اذخرها وامشر سلمها فقال ايها أصيل دع القلوب تقر." كما في كتب السير.


وهذا الانتماء إلى الأقوام وحب الديار والأوطان هو ضرب من الولاء.


أما المواطنة: فلها مفهوم جديد فهي تعرف الآن بأنها عبارة عن علاقة متبادلة بين أفراد مجموعة بشرية تقيم على أرض واحدة وليست بالضرورة منتمية إلى جد واحد ولا إلى ذاكرة تاريخية موحدة أو دين واحد إطارها دستور ونظم وقوانين تحدد واجبات وحقوق أفرادها إنها شبه جمعية تعاونية ينتمي لها بصفة طواعية أفرادها بشكل تعاقدي فالذي ينضم اليوم إليها له نفس الحقوق التي كانت لأقدم عضو.


إن قيم هذه المجموعة في المفهوم الحديث هو عكس المفهوم التاريخي الذي يقوم على العرق أو الدين أو التاريخ المشترك على فرضية أن التنوع نفسه يصبح قيمة كبرى من خلالها يكون الانسجام من طريق التفاعل بين مختلف الخصوصيات للوصول إلى المصالح الكبرى للمجموعة بتفعيل المشترك الإنساني وتحييد عنصر الإقصاء والطرد كما يستبعد عنصر نقاء النسب الذي يؤدي إلى تقسيم المواطنين إلى درجات كما كان عند الرومان أو العرب في عصر الجاهلية.


المواطنة رباط أو رابطة اختيارية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور أو ما سماه الفيسلوف الألماني هابرماس بالوطنية الدستورية أي شعور الفرد بانتمائه إلى جماعة مدنية مؤسسة على المشاركة في القيم الأساسية.


والمواطنة تتسامى على الفئوية لكنها لا تلغيها والمطلوب أن تتواءم معها وتتعايش معها تعايشاً سعيداً.


لعل ذلك أهم تحول في مفهوم المواطنة في العصر الحديث ولعله هو أهم جسر لتكون القيم الدينية لكل مجموعة بشرية محترمة ومقبولة وإن هذا يلتقي مع مفهوم الإسلامي للتعايش البشري والمسلم لا يجد حرجاً بل قد يكون متعاونا معها.


في هذا المنعطف التاريخي لتشكل المجتمع الغربي الذي يكون المسلمون كغيرهم جزء منه ومن خلال الوحدة الكبرى لأوربا على المسلمين أن يشاركوا في تحقيق مفهوم المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتماءات وذلك عن طريق فهم صحيح وتقويم سليم للموروث التاريخي الأوربي والمتغيرات التي حدثت في العالم ليكونوا مدركين لمشكلات أوطانهم وعلى دراية بأسبابها وطبيعتها حتى يتفاعلوا مع الأغلبية ويصوغوا معاً المعايير الجديدة للمواطنة وذلك ما لا يكون إلا بنوع من تجاوز الذات لتحديد أبعاد المواطنة التي سيكون من أهمها بالنسبة للأقليات احترام الآخر والاعتراف بوجود ديانات وثقافات مختلفة وتحقيق الحريات والاشتراك في إدارة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن العنف.


لتكون المواطنة بوتقة تنصهر فيها كل الانتماءات وبقدر الانسجام والانتظام بين هذه العناصر والجماعة يجد المواطن نفسه والجماعة مكانتها.


وإذا كان الانتماء مفهوم نفسي ، اجتماعي ، فلسفي ، وهو نتاج العملية الجدلية التبادلية


بين الفرد والمجتمع أو الجماعة التي يفضلها المنتمي .


باعتبار الانتماء ذا طبيعة نفسية اجتماعية ، فإن وجود المجتمع أو الجماعة هام


جداً كعالم ينتمي إليه الفرد ، حيث يعبر عن الانتماء بالحاجة إلى التجمع والرغبة


في أن يكون الفرد مرتبطاً أو يكون في حضور الآخرين ، وتبدو هذه الحاجة وكأنها عامة بين أفراد البشر .


لهذا فيمكن اعتبار الولاء دوائر ومراتب وبإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلاً من أن تتصادم وتتقاتل فالولاء للدين أمر مسلم به عند كل مسلم بل بالنسبة لكل متدين وهو أعلى قمة هرم الولاءات.


وهو لا يطرد الولاء للوطن بمفهوم المواطنة ألذي أشرنا إليه إذ هو لا يتنافى والولاء للدين ما دام عقد المواطنة لا يشتمل على خروج من الدين أو انصراف عن الشعائر أو حجر على حرية المسلم أن يعيش إيمانه.


إن العلاقة بين عقد المواطنة وبين الدين يمكن أن يتصور في دوائر منها ما هو مطلوب شرعاً ومرغوب طبعاً كحق الحياة والعدالة والمساواة والحريات وحماية الممتلكات ومنع السجن التعسفي والتعذيب وحق الضمان الاجتماعي للفقراء والمسنين والمرضى والتعاون بين أفراد المجتمع للصالح العام وما يترتب عليه من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن الوطن ضد العدوان والامتثال للقوانين وفاء بعقد المواطنة وهذا في حقيقته يدخل في الوفاء بالعهد واحترام مقتضياته وذلك داخل في الولاء للدين } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ{


وإن وسائل ما تقدم من اشتراك في الانتخابات وانتساب إلى الأحزاب والجمعيات له حكم مقاصدها كما هو مقرر في كتب أصول الفقه وبخاصة عند العز بن عبدالسلام والقرافي وغيرهما.


ويدخل في التعاون على البر والتقوى قال تعالى } وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{


وقد نزلت في العلاقة مع المشركين المحاربين فكيف لا يجوز مع المواطنين المسالمين فإن العلاقة مع هؤلاء تحكمها آية الممتحنة }لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {


إن القيم الكبرى للعلمانية المحايدة تعتبر قيماً إيجابية من:


1- احترام المعتقدات 2- والحياد بين مختلف الديانات 3- الاعتراف بحقوق الإنسان الفردية والجماعية تسهر الدولة على حمايتها. 4- حق الاختلاف والتنوع والتغيير عن خصائص الأفراد والجماعات.


5- حق التحاكم أمام المحاكم الطبيعية لاستخلاص الحقوق وترتيب واجبات على الأفراد في احترام القوانين ودفع. دفع الضرائب للإسهام في المجهود الوطني لتسيير المؤسسات.


6- الدفاع ضد العدوان.


كل ذلك لا يتنافى مع القيم الكبرى التي تدعو إليها الديانات السماوية وبخاصة الدين الإسلامي الذي يدعو إلى البر والمحبة والأخوة الإنسانية.


وبطبيعة الحال فإن المنطقة الرمادية في التفاصيل ، وكما يقول المثل: فإن الشيطان يقبع في التفاصيل.


فقد يفسر البعض العلمانية تفسيراً يزحزحها عن الحياد لتكون تدخلية في خصائص الأقوام وأداة تسلط على المعتقدات وهذا انحراف عن المعنى الأصلي للعلمانية.


وعلى كل الفئات أن تظل متمسكة بعلمانية هي وسيلة للتحرر النابع عن القناعة الشخصية وليس خاضعاً لمذهب إيديولوجي شمولي يريد أن يفرض مفاهيم خاصة بناء على أوهام ذاتية.


كما أن على الفئات بالمقابل أن تظهر تجاوزا لبعض المظاهر النفسية للفئة التي تجعلها وكأنها ليست معنية بالهم الوطني الاجتماعي والاقتصادي والأمني وأن تكذب تكهن أولئك الذين يريدون شيطنة تلك الفئة التي يستجيب بعض سفهائها فيرتكبون عمليات تخريب أو إرهاب فيصبحون بذلك حلفاء طبيعيين للمتطرفين من الجانب الآخر الذين يبتهجون لذلك.


إننا نبحث عن تعاون وتضامن بين القيم وليس عن صدام وصراع.


ولهذا فإن حملة القيم سيتحالفون للارتقاء بالأوطان } فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ { وخلاصة القول: أن الولاء هو انتماء وعلاقة بالناس وبالأفكار وبالقيم وقد يكون من المناسب ونحن نتناول هذا الموضوع في ديار الغرب أن نقرر أن الولاء للوطن ليس منافياً للولاء للدين في حدود الضوابط الشرعية الممكنة وأن الولاء هو ولاء للقيم والبر بالوطن والمواطنين قيمة يُزكيها الشرع والعقل وعلى المسلم "أن يهجر السوء " كما في حديث فديك.


والسوء درجات ومراتب فلا يوالي في تبديل دينه وهذا أعلى درجات السوء بل عليه أن يتمسك بدينه "ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت". كما في الحديث المتفق عليه الوارد في الفتن.


وهو أمر لا مساومة فيه لو فرض أن ولاء ما أو انتماء يعارضه ويصادمه ثم تتدرج المراتب لتصل إلى المعاصي التي لا يجوز للمسلم أن يتعاون في ارتكابها إلا لضرورة حاقة لا مرد لها فلا يجوز أن يعتدي على دماء الناس ولا على ممتلكاتهم ولا يشارك في المحظورات والمحرمات التي تتفاوت مراتبها من محرمات مقاصد إلى محرمات وسائل.


ومراتب الولاء التي أشرنا إليها هي التي سماها الشيخ الطاهر بن عاشور حالة الموالاة وقسمها إلى ثمان حالات عند تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران } لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين{


قائلاً: والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقاً والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط وتعتورها أحكام وقد استخلصت من ذلك ثمانية أحوال".


قلت: وقد جزم بالكفر في حالة واحدة وهي الموالاة في باطن الأمر ميلا إلى الكفر ونواء لأهل الإسلام وهي حال المنافقين.


أما الأحوال الأخرى فتفاوتت بين المعصية الكبرى أو دونها أو الجواز حسب المفسدة المتوقعة أو المصلحة المتوخاة.


كما لاحظ العلامة ابن عاشور القيد الذي تشير إليه عبارة ( من دون المؤمنين) } الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ { } لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﭼ


فذكر اختلافاً في القيد والإطلاق في الموالاة ومعنى قيد ( من دون المؤمنين) أن يكون الولاء المنهي عنه إنما هو ما كان مبعداً للمؤمنين ومناهضاً أما الإطلاق فيعني النهي عن الولاء مطلقاً.


وفي الختام: فإنَّ الولاءَ والحب والنصرة والنصيحة لله ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم أمرُ لا مريةَ فيه، فمنه ما هو ركنُ ماهيةِ الدين وهو الإيمانُ بالله ورسوله وكتبه، ومنه ما هو من كمال الإيمان وتمامه وعلامة إشراق نوره على القلب وهو: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". وقال عليه الصلاة والسلام كما في العديد من كتب السنن واللفظ لأبي داود : مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ.


نسأل الله أن يحشرنا في زمرة المحبين.


إلا أنَّ هذا الولاءَ ليس سوراً معلقاً إقصائياً طارداً كلَ علاقةٍ دنيويةٍ بالناس لا تَكُر على أصل الإيمان بالنقص ولا تلبس المحبةَ بالبغض ولا الانقياد والطاعة بالرفض؛ بل تتعامل مع الناس في جلب المصالح ودرء المفاسد ، وتتبادل معهم عواطف الود ، وتتعامل معهم طبقاً لقانون الأخلاق وحسن العشرة بالكلمة الطيبة والعمل النافع، طبقاً لقوله تعالى }وقولوا للناس حسناً{ وقوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث الترمذي: وخالق الناسَ بخلق حسن".


فتقوم صداقات وتبرم عهود وصفقات، كل ذلك تزكيه العقولُ وتشهد له السيرة النبوية بالقبول.


فقد فرح بانتصار النجاشي المسلمون وبانتصار النصارى على فارس المؤمنون كما في صدر سورة الروم.


وأخيراً: فإن المسلمين في الغرب وهم يتضامنون ويوالون إخوانهم في الدين عليهم أن يتجنبوا الشطط والغلو في التعبير عن عواطفهم وبخاصة إذا ترتب على ذلك من الفساد ما يفوق كل المصالح التي قد تكون موهومة ذلك هو الميزان الذي يقوم على الفقه في الدين والنظر في المئالات والتحلي بالحصافة بالإضافة إلى معرفة واقع العولمة الذي لم يترك بلداً إلا وأصابه من الابتلاء بالمخالفات العلانية للدين ما أصابه وإن كانت البلاد تتفاوت.


مع تحياتي


عبدالله بن بيه